وتعامل الشيعة بهذا المنطق مع الأحداث بعد سقوط الصنم، فكان الحرص منهم كل الحرص على إشراك كل عراقي شريف -بغضّ النظر عن انتمائه الطائفي أو الديني أو العرقي -في عجلة مسيرة البلاد نحو التخلّص من نير الاستعباد، والانطلاق بالبلاد نحو مستقبل زاهر يشترك فيه الأخوة المتعايشين على أرض واحدة منذ مئات السنين، على أن يعمل كل على حسب استطاعته في لملمة الجراح ومداواتها، وترسيخ نظرية : أنّ صدام كان غير عادل في كل شيء إلا في تقسيم ظلمه على العراقيين، ولكن للأسف سارت الأمور على غير هدى ولهث من تصدى لقيادة الأخوة السنّة خلف وعود وتحليلات غير صادقة تدّعي أن أعمال العنف والإرهاب خير وسيلة لاسترداد الإرث الضائع، حيث كان الحكم بيد أحد أفراد السنّة مهما كانت أيديولوجيته واعتقاده فهو سني شئنا أم أبينا، واليوم الحكم بيد أبناء الشعب أجمع والأكثرية المؤثرة ليست من السنّة بل بيد الذين ذاقوا الأمرّين على عهد النظام المقبور ، فلا سلم ولا تقدّم ولا تعايش مع فقد هذا الامتياز، وبدأت طبقاً لهذا التفكير الضحل عمليات القتل والتهجير على الهوية، وتفجير الأماكن المكتظة بالمارّة والمستطرقين الأبرياء، من النساء والأطفال والشيوخ فكان القتل والتشريد للعراقيين المسلمين العرب الشيعة على أيدي إخوانهم من أبناء السنّة بالاستعانة ببعض العرب القادمين من وراء الحدود والذين يحملون فكراً تكفيرياً في غاية التطرّف والانحراف، وأيتام النظام المقبور من البعثيين الصداميين، ودام ذلك قرابة السنتين بعد انهيار الطاغوت المتجبّر، والشيعة يلتزمون الصمت رغم هذه المآسي بأمر من مراجع الدين والقادّة السياسيين وهم قادرون على الرّد، فجرت أفظع الحوادث مما ينفر منه الطبع الإنساني على اختلافه فضلاً عن الخلق الإسلامي الرفيع، إلى أن عمد التكفيريون والبعثيون إلى تخريب المرقد المطهّر للإمامين العسكريين عليهما السلام في مدينة سامراء، عندها طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، فانفلت زمام الأمور من أيدي القادة الشيعة ولم يصغ الجميع لنداءات المرجعية المحرِّمة للانجراف في الفتنة، فصدرت بعض ردّات الفعل غير المسؤولة من بعض أبناء الطائفة الشيعية الموتورين من الذين فقدوا بعض أهليهم على يد الإرهاب التكفيري والبعثي، فهوجمت بعض المساجد التي كانت تستغل لصنع المتفجرات، وقتل بعض الأبرياء من أخوتنا أبناء السنة كردّة فعل على الأفعال الشائنة التي كانت ترتكب بحق الشعب العراقي المظلوم والتي غضّ الطرف عنها القادة الدينيين والسياسيين السنّة، ولم تصدر براءة منهم قبال هذه الفضائح ولا حتى إدانة أو استنكار، بل كان يعبّر على ألسنتهم عن المجرم التكفيري قاتل الأطفال الزرقاوي بـ (الأخ الزرقاوي)، والأنكى من كل هذه الأفعال التي تجرّ العراق إلى التمزق والتقاتل، هو نسيان النظرية التي كانوا يتملصون من الملامة بالتشبّث بها وهي أن صدام لا انتماء له، فما أذيع خبر إعدام الطاغية وأصبح أمراً واقعاً إلا وقد علت الصيحات بأن صدام شهيد الأمة الإسلامية وأسد العرب وإنما أعدم لأنّه سنّي وفي هذا الإعدام إهانة للطائفة السنيّة ، فيا للعجب كل العجب لهذه الصيحات اللامسؤولة متى كان صدام مسلماً وهو من قتل قرابة المليون مسلم من العراقيين والإيرانيين خلال الحرب الطاحنة ضد الجارة إيران المسلمة؟ ومتى كان صدام عربياً وهو الذي اجتاح الكويت الشقيقة على حين غرّة وقتّل الرجال وانتهك الأعراض وأسر مجموعة من العرب الكويتيين ولم يعثر لهم على خبر ليوم الناس هذا، فضلاً عن حرق آبار النفط وهدر الثروة العربية؟ ومتى كان صدام سنّياً وهو الذي قضى على خيرة رجال السنّة من قبائل المنطقة الغربية من الجبور والدليم وغيرهم؟ الآن وفي اللحظة التي كان يفترض أن يفرح بها كل شريف بغضّ النظر عن انتمائه لبلد أو دين أو طائفة بإحقاق الحق وبسط العدل وتنفيذ حكم الله بهذا المجرم الطاغي الذي نازع الله جل وعلا ثوبه من الكبرياء، تتعالى صيحات الأسف على صدام ويتّهم الشيعة بالطائفية وبشقّ عصا المسلمين لأنهم أعدموا صدام المسلم العربي السني؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، أما يوجد حكيم يردع هذا التصعيد الخطير الذي سوف يأتي على الأخضر واليابس، أما يوجد منصف سنّي ذو كلمة مسموعة يقف بشجاعة ليقول: اتركوا هذه الترّهات فقد عاث الرجل في الأرض فساداً وما نال الطاغية جزءاً من ألف جزء مما يستحق على إجرامه، فلننظر للمستقبل ولنترك الماضي المرير ولنتكاتف لدفع الخلافات ونعيش أمة واحدة يربطنا الوطن والدين والأواصر الوشيجة التي تكونت عبر مئات السنين. وأنا أنهي حديثي بفتوى كانت جواباً على سؤال ورد على الشيخ عبد العزيز بن باز بحق صدام الذي يأسف عليه أبناء السنّة الآن لأنه تشهد الشهادتين قبل موته: السؤال :
هل يجوز لعن حاكم العراق؟ لأن بعض الناس يقولون: إنه ما دام ينطق بالشهادتين نتوقف في لعنه، وهل يجزم بأنه كافر؟ وما رأي سماحتكم في رأي من يقول: بأنه كافر؟
الجواب :
هو كافر وإن قال: لا إله إلا الله، حتى ولو صلى وصام، ما دام لم يتبرأ من مبادئ البعثية الإلحادية، ويعلن أنه تاب إلى الله منها وما تدعو إليه، ذلك أن البعثية كفر وضلال، فما لم يعلن هذا فهو كافر، كما أن عبد الله بن أبي كافر وهو يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم-، ويقول: لا إله إلا الله ويشهد أن محمدا رسول الله وهو من أكفر الناس وما نفعه ذلك لكفره ونفاقه فالذين يقولون: لا إله إلا الله من أصحاب المعتقدات الكفرية كالبعثيين والشيوعيين وغيرهم ويصلون لمقاصد دنيوية، فهذا ما يخلصهم من كفرهم؛ لأنه نفاق منهم، ومعلوم عقاب المنافقين الشديد كما جاء في كتاب الله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا)(1)، وصدام بدعواه الإسلام ودعواه الجهاد أو قوله أنا مؤمن، كل هذا لا يغني عنه شيئا ولا يخرجه من النفاق، ولكي يعتبر من يدعي الإسلام مؤمنا حقيقيا فلا بد من التصريح بالتوبة مما كان يعتقده سابقا، ويؤكد هذا بالعمل، لقول الله تعالى: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا)(2)، فالتوبة الكلامية، والإصلاح الفعلي، لا بد معه من بيان، وإلا فلا يكون المدعي صادقا، فإذا كان صادقا في التوبة فليتبرأ من البعثية وليخرج من الكويت ويرد المظالم على أهلها، ويعلن توبته من البعثية وأن مبادئها كفر وضلال، وأن على البعثيين أن يرجعوا إلى الله، ويتوبوا إليه، ويعتنقوا الإسلام ويتمسكوا بمبادئه قولاً وعملاً ظاهراً وباطناً، ويستقيموا على دين الله، ويؤمنوا بالله ورسوله، ويؤمنوا بالآخرة إن كانوا صادقين.
أما البهرج والنفاق فلا يصلح عند الله ولا عند المؤمنين، يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)، ويقول جل وعلا: (ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ)(3)، هذه حال صدام وأشباهه ممن يعلن الإسلام نفاقا وخداعا وهو يذيق المسلمين أنواع الأذى والظلم ويقيم على عقيدته الإلحادية البعثية.
.
.
الجمعة, 23 فبراير, 2007
حينما كان يصرخ العراقي – وهو المسلم العربي - من ألم الظلم والجور والاستبداد في زمن الخوف والإرهاب الصدامي، ما كان ينحى باللائمة على أهل السنّة في العراق كطائفة، وما كان يحسب ذاك الذبح والدم المسفوك والعرض المهتوك، وفنون التعذيب والتشريد، وتخريب المقدّسات إلا على نظام البعث المتسلّط ورمزه الوثني صدام المقبور، وعندما يسمع السنّي صاحب القرار همساً أو يرى إشارة إلى أنّ هذه المآسي والفظائع التي ترتكب من قبل النظام إنما هي بأيدي أبناء السنّة، كان يأتي الرد بكل بساطة: إنّ صدام وزمرته ليس لهم انتماء لدين أو طائفة فلا يصح أن ينسبهم أحد للسنّة، وأنّ أبناء أهل السنّة في العراق من أكثر الناس تضرراً بظلم وجور صدام وزمرته.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








