المقابر الجماعية في العراق و أم صباح

 

عادل الياسري

 

( 1 )

 

 

صباح الخير  ياأم صباح ... حكاية أم  صباح عن المقابر الجماعية ؛ حكاية مآساوية . كانت أم صباح لا تعلم بأصل الحكاية ؛ وربما لاتدري لحد الان بتلك الحكاية ؛ ولاتدري ان جميع عظام المقبرة الجماعية ؛ كانت لها ؛ ولاحتى صباح كان يدري أن تصبح في العراق مقبرة جماعية ؛ بإسمه .. وكان الدفان هو الراوي لتلك الحكاية ؛ وقبل الوقوف على الحكاية من البداية ؛ لابد من الوقوف على المقابر الجماعية في العراق والعالم . وحين ننظر الى تراب المقابر الجماعية ؛ تتناثر جملة من الاسئلة . أولها لماذا المقابر الجماعية ؟ وكيف نحمي أنفسنا جميعا من المقابر الجماعية ؟ ولاشك إن السلوك العدواني وراء صنّاع المقابر الجماعية في العالم .

 

لقد شهد العالم من العقدين الاخرين من الالفية الثالثة القتل الجماعي  ؛ وإبادة الجنس البشري ؛ تحت دوافع دينية و سياسية . وكانت الجزائر شهدت المقابر الجماعية ؛ ولازال أكثر من سبعةآلاف لا يعرف مصييرهم . و أما البوسنة إكتشف فيها  عشرات مقابرة جماعية ؛ وقد تم العثور على خمسة وعشرين مقبرة جماعية في عام 2004 .

وفي إفغانستان أكد العاملين في الامم المتحدة على العثور على ثلاثة مقابر جماعية للمسلمين الشيعة في هزارة؛ و أضاف المتحدة أبلغونا ممثلوا هزارة بوجود هذه  المقابر ؛ وهم قتلوا قبل سقوط طالبان بشهر. الجدير بالذكر فقد وقعت مجازر كثيرة في إفغانستان على يد طالبان ؛ وهي لاتختلف عن مجزرة حلبجة و الدجيل أو صبرى وشاتل للفلسطنيين في جنوب لبنان . ومما يؤسف له ان الاعلام العربي إغفل تلك الجرائم في إفغانستان  وخصوصا إعلام أهل النفط ؛ وبالاخص قناة الجزبرة ؛ قناة تشويه الوعي ؛ وبالذات مراسلها علوني الذي كان صوت للارهاب في إفغانستان .!

ومن الطريف إن أحد المتصلين من المشاهدين ومن ألمانيا ؛ قال للجزيرة في أحد برامجها ؛ لماذا  أ تنم تنسبون  جرائم طالبان الى اهل الشمال ؛ وإن الاعلام الغربي ( فاكس نيوز ) كشف جرإئم طالبان و الجرائم الذي فعلوها قبل الانسحاب .. 

 

وكان العراق من اكثر دول العالم تعرض شعبه للمقابر الجماعية ؛ على يد البعث العراقي خلال ثلاثة عقود ؛ وفي كل أسبوع  أوشهر تكتشف المقابر الجماعية منذ سقوط نظام صدام و البعث في العراق ؛ ومن الصعب وضع رقما عن المقابر الجماعية في العراق ؛ وان الرقم 283 للمقابر الجماعية ليس هو الرقم النهائي  . وكان اكبر المقابر الجماعية إكتشف في قضاء المحاويل جنوب العاصمة بغداد و ضمت المقبرة على رفات خمسة عشرالف جثمانا ؛. وقد تعددت طرق القتل الجماعي ؛ كالدفن في حفرة وهم أحياء ؛ أو  بتقيد  اليدين ؛ وإطلاق العيارات النارية من الخلف على الرأس .. وتعود تلك المقبرة  الى إنتفاضة 1991 ويقول أحد الناجين من المقابر الجماعية :

 

دعني اخبرك عن جريمة سمعتها ممن كان  من المفروض ان يكون ممن قضى نحبه ؛ بعد  أيام من المعارك بين رجال الانتفاضة الشعبانية في كربلاء سحق الجيش تلك الانتفاضة  ؛ وتقدم باتجاه النجف ولعدم توفر وسائط النقل  لم تكن الانباء  تصل  الى النجف بشكل جيد ؛ بل  كان كل ما يصل هو عن طريق عملاء صدام و مخابراته ؛ لذلك كان الناس يذهبون الى كربلاء  للإطمئنان على اهلهم وذويهم دون تحفظ  ودون ان يعلموا ان الجيش قطع الطريق ؛ وهناك في منتصف  الطريق ؛ كمن الجيش لهولاء المدنيين وبدأ بإحتجازهم  ؛ سيارة بعد سيارة ؛ وكان أول الامر يتحقق من أمرهم وهوياتهم ثم يرمي بهم في حفرة ويدفنهم أحياء ؛ ولكن  بعد تكاثرهم  بدا يرمي بهم في الحفرة التي تحفر هنا وهناك بدون إي سؤال ؛ وكنت أنا ممن جرى معهم التحقيق ؛ وما ادراك  ما جرى فيه  ؛ وكيف جرى لقد قتلوا اناس رميا بالرصاص  وضربا بالسيوف التي يحملها بعض الضباط وبعد ان يملوا  يوثقون الباقين بالحبال و يحملوهم في شاحنات  وكنت من هؤلاء  ؛ وحملونا في شاحنة لانعلم الى اين تتجه  وفجأة توقفت تلك الشاحنة وبدأ يلقي بماتحمل ؛ ولانني كنت ممسكنا بحبل في تلك الشاحنة  المغطاة بغطاء بقيت معلقا ولم اسقط ؛ تحركت الشاحنة بعدها مباشرة ؛ فرأيت من بعيد أن  القوا بحفرة ودفنوا احياء ونجوت بإعجوبة ؛ وذهبت مع   سائق الشاحنة الذي اطلق سراحي عند وصوله الى البيت شمال بغداد .

 

( 2 )

مراحل المقابر الجماعية في العراق

 

إبتدأ جلاوزة البعث العراقي منذ سيطرتهم على السلطة عام 1968 بالاعدامات الجماعية في شوارع و ساحات بغداد في الاشهر  الاولى ولكنها واجهة  بعض المعارضة  في الاوساط الاعلامية العالمية ؛ ثم إتخذ البعث اسوبا اخر لتصفية خصومه من المعارضين بالاغتيالات الفردية ؛ وكانت عصابة ابو الطبر محطة إنطلاقه ؛ ولكن الاغتيالات الفردية   للمعارضين لم تكن كافية لخصوم السلطة ؛ وعادة الى المنحى القديم في القتل الجماعي .

لقد بدأت المقابر الجماعية في العراق بعد فشل حركة التمرد للملا مصطفى البرزاني عام 1975  ؛ بعد تسليم عشرات من الشباب للنظام البعث الصدامي ؛ وكانت الصحراء السماوة هي المقابر الجماعية للاكرادوالاولى .

     

      واما المرحلة الثانية إبتدأت في عام 1979  بعد خروج من مدينة النجف  بالمظاهرات من جامع الخضراء تأييدا للثورة الايرانية ؛ والتي جعلت الحكومة العراقية تعترف بالجمهورية الاسلامية بعد ساعة من مظاهرات التأييد .. وكان ثمن الاعتراف للمتظاهرين رميهم على الحدود العراقية الايرانية او قتلهم في مقبرة جماعية . وكما ان البعث العراقي إتخذ من حزب الدعوة ذريعة للانتقام من المسلمين الشيعة سواء أكانوا عربا  أو كرادا إفيلية أو تركمانا  .

 

    غير إن المرحلة الثالثة يمكن حصرها بفترة  23 شهرا وهي الفترة التي منح فيها علي كيمياوي بالصلاحيات المطلقة ؛ و التي عرفت بعمليات الانفال .

 

     وكانت المرحلة الرابعة للمقابر الجماعية وهي أكبر المقابر الجماعية نفذت و على مرى ومسمع العالم  ؛  إثناء قيام الانتفاضة الشعبية عام 1991 ؛ وكان معظم ضحاياها العرب الشيعة في محافظات الوسط و الجنوب .

 وكانا شهري  أذار ونيسان وقعت فيه معظم المقابر الجماعية للمنتفضين .

 

( 3 )

المثقفون العرب والمقابر الجماعية في العراق

 

إعتقد لا توجد في العالم العربي ثقافة مطلقة عند الفرد و الجماعة ؛ ومن الطبيعي أن تصبح مقيدة بأغلالهم ؛ ولاسيما لازلت الاغلبية تردد لحن سفونية  (( الشاعر صوت قبيلتنا )) و غابت مساحة النقد بين القدح و المدح ؛ تلك هي ثقافة صوتنا . ويبدو واضحا إن ثقافة السلطةوثقافةمؤسساتها الدينية الرسمية هي التي تهيمن على ثقافة الجمهور؛ وفي الطرف الاخر النقيض منها وهم المثقفين ؛ ولكن أصواتهم مغيبة هي على الدوام ؛ وإن ظهرت حملت معها جل ثقافة الضد من أجل الضد ؛ وهكذا إنتصرت الثقافة الآحادية المقيدة في المجتمع العربي . وغاب المشروع الانساني والحضاري في العالم العربي حائرا بين ثقافة إطراءات السلطةوقضاءها وقدرها؛ وبين ثقافة الضد من أجل الضد .

 

  كان ظهور المقابر الجماعية في العراق كشفت صورة تلك الثقافة البأسةو التي تحمل الاضداد في تكويناتها وتعبيراتها ؛ ويقدم لنا سمير عطا الله نموذج من تلك الثقافة البأسة ويقول : (( لست أدري منذ متى يقول المثقف الحقيقي عن نفسه ؛ إنه مثقف ؛ فالاسهل أن يقول إنه امبرطور و يضيف ..

 اثار الدكتور محي الدين عميور الجدل مرة إخرى في كلامه عن المقابر الجماعية في العراق . فهو يرفض ان ياخذ الامور هكذا ؛ ولابد من التدقيق ؛ وفسر البعض  ذلك الدفاع  على انه دفاع عن نظام او ثقافة المقابر الجماعية في العراق العزيز ؛ وأيده في نظرية الشك بعض قليل من الذين لايعتقدون انه يمكن للنظام السابق أن يدوس على نملة بيضاء  . أما هو فأوضح في مقالته الاخيرة ؛ إنه لايمكن له الدفاع عن فكرة المقابر الجماعية أو نسيانها ؛ ولكنه  من الذين يفضلون تقديم الاثبات قبل الادانة.

 

 ويفهم القارئ ان محي الدين يريد الاثبات و الدلائل الثبوتية ؛ وكأن الاعلامي العربي  لأزمة الخليج الثانية ؛ وكيف طفقت فيها جرائم النظام العراقي والتي كانت مختبئة بين ضلوع 2 آب عام 1990 ؛اي بعد ظهور الرقم السحري  للضحايا واعني الرقم تسعة عشر؛ لم تمر تلك الجرائم في حاسة شم محي الدين  .

 وأعتقد أن لازالت نفس إيقاعات والطبول لم يتغير بعد أكثر من عقد من الزمن ؛ وظل اهل الاضداد تطاطأ رؤسهم بالريبة والشك من جرائم البعث العراقي ؛ والروح الصدامية البغيضة .

 

غير ان مسفر محمد يرى ان الولايات المتحدة هي التي اوحت للطابور الخامس لنبش القبور ؛ تحت ذريعة العثور على اجساد الاحبة ..واخر  د. غالب فريحان ؛ يري إكتشاف المقابر الجماعية ؛ اسطورة ومؤامرة على الامة العربية والشعب الفلسطيني ويقول: ـ  [ المحرقة و المقابر الجماعية  صورتان لمصور  إمبريالي  صهيوني واحد عمل كثيرا على دبلجة هذه الصورة لتتناسب مع كل زمان ومكان .. ] 

الحق كنت أظن إن من يقع تحت الظلم يكون خير عون للمظلومين ؛ ولكني وجدت هذه المعادلة خاطئة عن الفلسطنيين  .. وجدتها مقلوبة بدرجة 180 ؛ منذ ظهور الرقم تسعة عشر ؛ وان المظلوم يقف مع الظالم لنصرته و يتناسى ظليمته .

ولاشك ان تلك النصوص هي مختارة و مختصرة دافعت عن نظام دموي منتهك لابسط قوانين حقوق الانسان و الشرائع السماوية ؛ ولابد من المثقفين نشر ثقافة حقوق الانسان في العالم العربي

 

؛ دون الاستسلام لقضاء وقدر السلطة ؛ أو لثقافة الضد من اجل الضد    

 

 

( 4 )

  ثقافة التسامح

 

قبل الخوض في المقترحات ؛ لابد من نشر ثقافة التسامح ؛ بدلا من الثائر و الانتقام وبنفس الوقت لابد من تقديم الجناة الى القضاء حسب جرائمهم  .

(1)

لابد من تشكيل لجنة في البرلمان العراقي لحماية المقابر الجماعية في العراق .

( 2 )

 أكت لنا جميع الفئات و المستويات الثقافية ؛ يجب أن تدرس في منهاج التعليمية المقابر الجماعية ؛ وكذلك الميثاق الاعلان العالمي لحقوق الانسان في المراحل المتقدمة .

( 3 )

 ظهرت تقارير عن مالية صدام حسين اثناء احتلاله للكويت وقد قدرها خبراء المال بــ [ 35 ] مليارا ؛ ونقترح أن تصبح تلك الاموال تعويضات لذوي المقابر الجماعية في العراق .

(4)

تكوين مركز للدراسات حول المقابر الجماعية.. وقبل الانتهاء من المقترحات ؛ لابد من العودة الى نص بيان منظمة شيعة لمراقبة حقوق الانسان .. وضع اشارة او عبارة في النشيد الوطني عن المقابر الجماعية .

 

 

قصة  صباح

( 5 )

 

ربما كان صباح هو من مواليد 1957 ؛ ولكنه لايدري ولا امه سيصبح إسم  من الاسماء التي تدفع ضريبة الاشتباه صنعها الطغاة ؛ يقول أحد الدفانين في مقبرة النجف الكبيرة :

في وقت متأخر من الليل جاءوا بخمسين جثة و طلبوا مني دفنها ؛ فدفنت الاول و كان إسمه صباح و كذلك الثاني كان إسمه صباح و كذلك الثالث و كذلك الرابع ؛ ثم سألت هل هذه الاسماء كلها صباح ؟ قالوا (( إشتغل )) إي إدفن ؛ وإن جميع الاسماء اللاحقة صباح ؛ وقص احدهم القصة لكي لا ا تعبه بالسؤال

قال رجل الامن : كان احد الذين جرى التحقيق معهم في مديرية الامن العامة طالبا جامعيا؛ وأثناء التعذيب وقبل أن يلفظ نفسه الاخير قال :  إن مسؤولي الحزبي في التنظيم ؛ إسمه  [ صباح  ] ولم يكمل إسم أبيه ؛ فذهبوا الى جامعة بغداد واخذوا كل من كان إسمه صباح ؛ وجرى التحقيق معهم ؛ وهذه الجثث لصباح .. هذه هي قصة أم صباح  < مقبرة جماعية تملكها ام صباح ؛ لقد إعدم صباح ولايدري ان  على إسمه ضربية الاشتباه  و قدرها   مقبرة جماعية ؛ محتوياتها خمسين طالبا جامعيا .. وكذلك صباح لايدري أن في مدينة النجف خمسين مقبرة جماعية ..  وهل أدركت ياعزيزي القارئ لماذا جعلتها خاتمة الموضوع .. أليست إنها مأساة كبرى ..!؟